يستمر فرع التوعية بمدينة حمد في سلسلة دروس (الآداب المعنوية للصلاة)
والتي يقدمها سماحة الشيخ عادل الشعلة

بعنوان ( الآداب القلبية لمكان المصلي ) ..
وبدأ سماحة الشيخ بالمطلب الأول لهذا الفصل وهو (معرفة المكان) وقال " لابد أن يلتفت المؤمن إلى المكان الذي يتعبد فيه ،ولذا الإمام "قده" يقول أن للسالك السائر إليه أمكنة بحسب النشئات الوجودية _ وهو ما ذكرناه في السابق من أن للإنسان نشآت :ظاهرية وباطنية وبرزخية ونفسية وروحية_ والإنسان إذا لم يتحقق بهذه النشئات الوجودية في الواقع لم يتوصل إلى صلاة أهل المعرفة _هذا المطلب جداً مهم إذا استطاع أن ينزل هذا المطلب من العقل إلى القلب يغير معادلات كبيرة في وجود الإنسان_ ولذا نتحدث عن النشأة الوجودية الأولى المقام الأول :المكان الذي يصلي فيه الإنسان ويتعبد فيه.
ثم شرع الشيخ الشعلة في الحديث حول المقام الأول ،قائلاً "المقام الأول هي النشأة الطبيعية والمرتبة الظاهرية، وبعبارة مختصرة واضحة هذه الأرض هذه الطبيعية ،نقرأ في القرآن الكريم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا) ،المؤمن ينبغي أن يلتفت إلى أن الأرض كل الأرض هي مسجد لله، ولذا جُعلت له أن يسجد فيها لله أن ويتطهر بالسجود الباطني والطهارة الباطنية، هذا المعنى يجب أن يكون واضح أن الأرض كل الأرض ينبغي أن يستشعر الإنسان وهو في بيته وهو في الشارع كل بقعة من البقاع يتحرك في مسجد الله، إذا هذا المعنى تركز في الذهن ونزل إلى القلب، له حالات بمعنى كلما استشعر المؤمن أن كل خطوة يخطوها الآن هو يخطوها في المسجد ليس هذا المسجد فقط، هناك مسجد بمعنى أكبر وهي هذه الأرض، إذا استشعر الإنسان أنه في مسجد الله عز وجل على هذه الأرض، إذاً يجب عليه أن يتأدب بآداب، من آداب الدخول إلى هذا المسجد أول ما يدخل من الباب يضع رجله اليمنى يقدم اليمنى، هذا أول أدب من الآداب و هناك أدعية وارده، إذاً لهذا المسجد آداب منها صلاة ركعتين تحية المسجد، وهذا هو المعنى الأول وهي الآداب الظاهرية التي لابد أن يتلفت إليها من أجل أن يستشعر حضور الله .

من الآداب الباطنية للمكان الذي نتكلم عنه وهو الأرض _أن يستشعر الإنسان أنه في هذه الأرض في مسجد الله سبحانه وتعالى :
_ الأدب الأول : أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى انزله من العالم الأعلى (ورددناه إلى أسفل سافلين) من اجل أن يعرج باختياره إلى مقام القرب، انه الآن يتحرك في دائرة الاختيار من أجل أن يصل إلى الله تعالى، وكما قال الإمام "قده" أن يصل إلى مرحلة الفناء وهذا المعنى بينّاه في ما سبق أن الإنسان يتصف بصفات الله سبحانه وتعالى، بحيث جوارح هذا الإنسان عينه ويده تتصف وتحمل خصوصيات أسماء الله سبحانه وتعالى، حتى كما في الخبر انه يكون عين الله الذي ينظر بها، واذنه التي يسمع بها، إذاً هذا المعنى يجب أن يكون واضح وحاضر في الذهن، أن الإنسان يشعر وهو يمشي على الأرض أنه في المسجد (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)، هذا أحد أبعادها الباطنية انه على هذه الأرض يسجد.
_ الأدب الثاني : التذوق بالروح ؛يعني أنه يحاول أن يستشعر هذا المعنى أنه الآن في محطة يتعبد فيها لله سبحانه وتعالى، الإمام "قده" ينطلق إلى فكرة الاعتكاف في المسجد، تعرفون سيما الذين اعتكفوا في المساجد يعرفون أن الإنسان المعتكف لا يخرج عن المسجد متى أراد إلا في حالة الضرورة القصوى وهناك حالات في الاعتكاف وهناك موانع، لاحظوا أيها الأحبة إن هذه النشأة الطبيعية إن هذه الأرض هي مسجد لله، إذن ينبغي أن لا يخرج عن دائرة العبودية في أي لحظة من لحظاته، من غاب عن قلبه هذا الاستشعار أنه ليس في المسجد، الآن كل واحد منا يشعر أنه في مكان غير بيته إذا دخل هذا المسجد، طبيعية هذا المسجد وتركيبة المسجد والأمور الغيبية تفرض حالة معنوية للإنسان ولذا إذا استشعر الإنسان هذا المعنى أن الأرض هي مسجد لله، إذن كيف يتأدب ؟! ، هو في بيته يشعر انه في مسجد الله في الشارع يشعر أنه في بيت الله وهو ليس خارجاً عن مملكة الله، ولذا يجب أن يعيش حالة التعبد ولا يخرج عن عبودية الله عز وجل.
الإمام "رض" يشير إلى ان هناك حالات للسالك عندما يتذوق أنه في النشأة الطبيعية ،أنه في مسجد وفي بيت الله :
_ الحالة الأولى :أن يستشعر الإنسان انه خرج عن فطرته الإنسانية ،كل واحد منّا يستشعر هذا الشعور أن فطرة الإنسان التي فطرها الله سبحانه وتعالى قد تلوثت، لابد أن يستشعر في هذا المسجد الكبير أن فطرته قد تلوثت بارتباطه بالمادة بالحياة بمعاصيه، هذه أحد الأمور المهمة جداً التي يجب أن يلتفت إليها ما دام هو مستغرق في الدنيا وهذه الطبيعة.
_ الحالة الثانية :أن يستشعر انه محروم ،لا أقول أن الاستشعار مسألة سهلة ولكن حتى هذا الاستشعار بحد ذاته نور بحد ذاته توفيق ،أن الإنسان يستشعر النقص و ليس كل الناس يستشعرون هذا المعنى ،ولذا يحتاج في داخل النفس إلى تطهير حتى يجمد هذه الحقيقة ويبادر إلى تكميل النفس ، نحن لماذا نقصر ؟! أحد الأسباب أننا لا نرى النقص في أنفسنا !! لذا بعضنا ربما يُوفق لقيام الليل ويرى نفسه انه أصبح من المتعبدين، وهناك من يسير في هذا الخط المعنوي ويرى نفسه، لِذا أحيانا من ألطاف الله سبحانه وتعالى على العبد أن يضرب على إذنه وسمعه ولا يقوم الليل حتى لا يشعر بالغرور، إذاً استشعار هذه الحال انه في كل لحظة من لحظاته يعيش النقص في حياته، هذه من أهم الحالات وهو يعيش في عالم الطبيعة في عالم الدنيا يشعر في كل لحظة من لحظاته أنه يعيش الغفلة، ولذلك يلجأ إلى الله ويتوجه إليه، ليشكو إليه هذا النفس الأمارة التي تبعده في كل لحظة بحسب متعلقاتها بشهواتها بحسب تعلقها برغباتها في كل لحظة من اللحظات يقول ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) هذا المقام الأول.
ثم انتقل سماحة الشيخ الشعلة للحديث حول المقام الثاني و هو مرتبة القوى الظاهرية والباطنية ،قائلاً في هذا المقام " أن يستشعر الإنسان أن هذا البدن هو مسجد، انه محط السجود لله، كيف يسخر هذه الجوارح لأن تكون عابدة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) هل أذنه عابدة؟ هل لسانه عابد؟ هل رجله عابدة؟! ،إذاً لا بد أن يستشعر أن هذه الجوارح مسجد لله ،محط لعبادة الله سبحانه وتعالى، ولذا من الآداب في هذا المقام عدم تنجّس هذه المساجد ؛ لو أن شخصاً دخل المسجد ورأى نجاسة من النجاسات لا يجوز له أن يصلي إلا أن يزيل النجاسة، إذا دخل أحد المسجد ورأى دماً يجب أولاً أن يزيل النجاسة وإلا لا يجوز له الصلاة أو التعبد، على هذا الأساس هذه الأعضاء والجوارح لابد أن يستشعر الإنسان، كما ذكرت انه باستشعاره الباطني يستحضر: هل انه عصى الله بها أو لا؟ هل إنها قذرة أم لا؟ هذه العين قبل أن تأتي إلى المسجد هل نظرت نظره شهوانية؟، لذا يجب عليه أن يلتفت ويقول: (اللهم طهرها)، فليقل: (استغفر الله وأتوب إليه)، هل هذه اليد صافحت أجنبية؟ هل مدت اليد إلى شيء حرام؟ ، بعبارة مختصرة هل لإبليس تسلّط على هذه الجوارح؟ ، إذا هناك صراع هل إن إبليس يتسلط على هذه الجوارح؟ أو انه يخلصها لله سبحانه وتعالى؟ ، حتى يصدق عليها إنها عابدة، وإلا في الواقع ليس مصلياً. لِذا الصلاة الخاشعة تحصل عندما يجاهد الإنسان نفسه في هذا المسجد مسجد الجوارح، إذا كان القلب حاضراً حال النظر وانه يريد أن يطيع الله ويتعبد يعني هذه العين (قل للمؤمنين أن يغضوا إبصارهم ) إذا سجدت غضت بصرها إذا سجدت لله في هذا الموقف ثق أنك إذا جئت بهذه الصلاة الصبح أو الظهرين أو المغرب والعشاء أنت ستفنى فناء لا يجد أحداً لذته غيرك، وإذا سجد سمعك، أردت أن تستمع الغناء استفزّتك أغنية وأنت في غرفتك وأغلقتها، ثق عندما تقول الله أكبر ويطرق هذا المعنى سمعك ستعيش في عالم لا يشعره أحد غيرك، كل ما في الكون سيعيش الصلاة ..إذاً هذا المعنى لابد أن نستشعره في هذا المسجد، مسجد البدن، إننا نريد أن نسجد بسمعنا ويدنا ولساننا ،وقس على هذا المعنى.
بعد ذلك تحدث الشيخ حول المقام الثالث وهي النشأة الغيبية للسالك "ذكرنا سابقاً أن هذا البدن ما هو إلا لباس لبدن برزخي، يعني إذا مات الإنسان إنما في الواقع كما ينزع هذا البدن ويعرج بدنه البرزخي إلى عالم البرزخ، بصورته بهيئته بشكله الموت ليس هناك إنما يفنى هذا الجسد ويبقى في هذا القبر،بعبارة أخرى هذه الروح والنفس هذا القلب كيف يكون لله سبحانه وتعالى ؟ ربما تكون الجوارح لله، الآن ربما أغضّ بصري ولكن قلبي مملوء بحب الدنيا، أتطّلع إلى الجاه ،أتطّلع إلى مكانة عند فلان أنا اقترب إلى التاجر الفلاني أتوقع منه أن احصل على شيء، هذا القلب أسير إلى الأهواء أسير للشهوات .. كيف يتحرر ؟ ،هذا القلب لابد أن يكون خالص لله في الحديث القدسي : (لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن)، إذن هذا المسجد هل هو متلوث ؟ هذا البدن البرزخي؟! ، فوا خجلتاه فوا فضيحتاه لو اقبل الإنسان على عالم البرزخ !! وقد ذكرنا في ما سبق والإنسان في هذا العالم لن يدخل في عوالم القديسين ولن يحشر مع الملائكة المقدسين، في الواقع لن يرقى في هذا العالم إلى عالم الملائكة وهو في قذارة، والملائكة لا تعاشر إنسان قذر ، لابد أن يستشعر الإنسان انه محروم من مجاورة هذه العوالم الطاهرة، إذاً القلب مسجد فكيف يعيش الطهارة في هذا المسجد ؟ .
هناك رواية رائعة ذكرها الإمام "قده" إذا يراجع الاخوان الرواية عن الإمام الصادق في الآداب الباطنية عن المكان، وهي رواية رائعة في الواقع وارجوا من الاخوان أن ينورّوا قلوبهم بقراءتها، واستغفر الله لي ولكم وصلِ الله على محمد وآله الطاهرين.
ثم اختتم سماحة الشيخ حديثه بالإجابة على أسئلة الحاضرين ،وقراءة فقرة دعائية قصيرة .